الشخصيات ضرغام تجاوز الخامسة والثلاثين من عمره . رجل غامض، حاد الطباع، قليل الكلام، ونظرته وحدها كفيلة بأن تجعل من أمامه يعيد حساباته. قضى أكثر من عشر سنوات خلف القضبان، فعاد إلى الحياة بقلبٍ أكثر قسوة، وملامح لا تكشف شيئًا عمّا يدور بداخله، يحمل ماضيًا يرفض الحديث عنه، وسرًا جعل الجميع ينظرون إليه باعتباره رجلًا لا يُؤتمن.
لا يثق بأحد، ولا يسمح لأحد بالاقتراب من عالمه، وإذا غضب لا يعرف كيف يتراجع. لكن خلف تلك القسوة رجل آخر لم يره أحد بعد. رجل يستطيع أن يكون شديد الحماية لمن يحب، وأن يتحول من أكثر الرجال قسوة إلى أكثرهم حنانًا أمام امرأة واحدة فقط.
دنيا ثلاثون عامًا دنيا فتاة في الثلاثين من عمرها، تحمل دبلوم تجارة، لكنها لم تعرف من الحياة سوى ضيق الحال وقلة الحيلة. نشأت وسط أسرة بسيطة الحال، بين ست شقيقات غيرها، في بيتٍ بالكاد يكفي أهله. كانت الحياة معهم قائمة على الحساب؛
كل جنيه له مكان، وكل احتياج مؤجل إلى أن تتيسر الأمور. لم تعرف رفاهية الاختيار، ولا اعتادت أن تطلب ما يفوق قدرة أهلها، حتى أصبحت تتنازل عن الكثير قبل أن تطلبه. كانت طيبة إلى حد السذاجة حتى دخلت عرينه ، هادئة ومطيعة، تخاف أن تثقل على أهلها أو تكون سببًا في مشكلة جديدة.
تعلّمت منذ صغرها أن تتحمل وتصمت، وأن تقبل بما يُعرض عليها لأن الظروف لم تترك لها رفاهية الرفض. كل هذا تبدل بمجرد دخولها عرينه تبدل حالها وعلمها من قسوته ما يمفي لتواجه الجميع. لم تكن جميلة بالمعنى الذي يجعل الأنظار تتعلق بها، لكنها كانت تملك ملامح هادئة ووجهًا بريئًا، ودفءً يجعل من يقترب منها يشعر بالأمان.
وعندما اختارتها أم ضرغام وجدته زوجةً له، لم يكن في ذهنهم سوى أنها فتاة بسيطة، فقيرة، بلا سند أو طموح كبير... امرأة يمكن لضرغام أن يعيش معها دون أن تصطدم بقسوته أو تحاول اقتحام عالمه.
لكنهم لم يعرفوا أن دنيا، رغم فقرها وقلة حيلتها، ستصبح المرأة الوحيدة القادرة على الوصول إلى الرجل الذي عجز الجميع عن فهمه. الفصل الأول أشرقت الشمس بنورها الساطع تملأ الغرفة، تكسرت خيوطها لتتسلل بين القضبان الحديدية تصطدم بعسلتيه، بالتزامن مع صوت صافرة الصباح التي اعتادها كان مُجبر أن يتحملها صوتها كل صباح.
لكن اليوم لم يكن ككل يوم، كان يسمعها بقلبه لا بأُذنه انتهت السنوات العشر كاملةً، انتهت أيضًا سنوات العبودية، القهر، والذُل و الإهانة، كم مرة عد على أصابع يده عدد السنوات، الأشهر، و الأيام ليخرج و يتمتع بحريته ك.
آآآه لو يعلمون كم عانى، عانى من كل شئ حوله. من الجدران التي حاصرته، الوجوه التي لا تعرف للرحمة طريقًا، ومن ليالٍ طويلة كان ينام فيها وهو يعد على أصابعه الساعات حتى يأتي صباح يوم جديد يقربه من حريته .

النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.